الغزالي

73

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

ومنها البخل وخوف الفقر : فإن ذلك هو الذي يمنع من الإنفاق والتصدّق ، ويدعو إلى الادخار والكنز والعذاب الأليم . ومن آفات البخل الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال وهي معشش الشياطين . ومنها التعصّب للمذاهب والأهواء : والحقد على الخصوم والنظر لهم بعين الاحتقار ؛ وذلك مما يهلك العبّاد والفسّاق جميعا . قال الحسن رضي اللّه عنه : بلغنا أن إبليس قال : سوّلت لأمة محمد المعاصي فقصموا « 1 » ظهري بالاستغفار ، فسوّلت لهم ذنوبا لا يستغفرون اللّه منها وهي الأهواء . وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن في ذلك من الأسباب التي تجرّ إلى المعاصي فكيف يستغفرون منها . ومنها سوء الظنّ بالمسلمين : فيجب الاحتراز عنه وعن تهمة الأشرار فمتى رأيت إنسانا يسيء الظنّ بالناس طلبا للعيوب فاعلم أنه خبيث باطنا ، وأن ذلك خبثه يترشّح منه . فيجب على الإنسان قطع هذه الأبواب من القلب ، ويعينه عليها ذكر اللّه تعالى . قال ابن إسحاق : لمّا رأى كفار قريش هجرة الصحابة ، وعرفوا أنه صار له صلّى اللّه عليه وسلّم أصحاب من غيرهم فحذروا خروجه ، وعرفوا أنه أجمع لحربهم . فاجتمعوا في دار الندوة ، وهي دار قصيّ بن كلاب ، وسمّيت بذلك لاجتماع النديّ فيها يتشاورون ، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها ، ولا يدخلون فيها غير قرشي إلى أن يبلغ أربعين سنة بخلاف القرشي ، وقد أدخلوا أبا جهل ، واجتمعوا يوم السبت ، ولذا ورد : يوم السبت يوم مكر وخديعة ، ومعهم إبليس في صورة شيخ نجدي ، وذلك أنه وقف على باب الدار في هيئة شيخ جليل عليه بتّ - قيل : كساء غليظ أو طيلسان من خز - فقالوا : ممّن الشيخ ؟ قال : من نجد ، سمع بالذي أتّعدتم له فحضر ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يعدمكم رأيا ونصحا .

--> ( 1 ) فقصموا : قطعوا .